أكتب... حتى ولو لم يقرأك أحد
الإنسان لا ينهار من الألم بقدر ما ينهار من غياب المعنى، فالكتابة تعيد وتمنح المعنى للوجوده.
كُلما خالجني التعب لجأت إلى الكتابة أمسكت القلم وأخذت الورقة البيضاء وبدأت أفرغ ما ضاق به صدري، فيخف الضجيج، وتترتب الفوضى، وتقل المرارة العالقة بين الحلق والقلب.
فالكتابة بالنسبة لي عملية إنقاذ يومية، أمارسها حين أعجز عن حمل ثقلًا ما، بل هي النافذة التي أفتحها على جدران صدري المُغلق والمُثقل بالهموم، فيتسرب إليه الهواء بعد اختناق طويل قد تضيق عنده الأنفاس.
الكتابة هي التفريغ الآمن، بدون اصطدامات بأحد، فالغضب إذا حُبس صار مرضًا، والحزن إذا كُتم صار صدأ، والفرح إذا لم يُشارك صار بلا معنى وذبل.
فنحن نبكي على الورق حيث لا يرانا أحد فنخجل، نصرخ بأعلى صوتنا فلا أحد ينزعج من صراخنا، نحب ونعبر عن مشاعرنا لمن احببناهم، ونعاتبهم على هجرهم في خواطر نكتبها في مذكراتنا فلا تُلام قلوبنا على لحظات ضعفها.
إنها مساحة نكون فيها صادقين، بلا أقنعة اجتماعية ولا مجاملات، وفي هذا الصدق مع الذات يحدث الشفاء، فالنفس التي تتعافى، تُفرغ سمومها بالحبر، تعود إلى جسدها بسلام آمنة مطمئنة.
فالكتابة تُجبرنا على مواجهة ذواتنا، ففي كل شخصية نخترعها جزء منا، وفي كل حوار نكتبه صدى لصوت داخلي، مع الوقت نكتشف أننا لسنا مجرد ردود أفعال لما يحدث لنا، بل نحن صُناع عوالم.
وهذا الإحساس بالقدرة على الخلق يُرمم الثقة المكسورة، ويُعيد للإنسان شعوره بالسيطرة على حياة قدْ تشعره بالعجز.
فالكتابة ليست هروباً من الواقع، بل هي عودة إليه بقلب أقوى، وهي أنْ تأخذ جراحك، وتحولها إلى حكاية تُنقذ بها غيرك.
فالقلم لا يخط حروفاً فقط، إنه يخط طريق نجاة،
من جرب أنْ يكتب وجعه ودموعه، عرف أن للورق والحبر قدرة عجيبة على احتضان ما عجز البشر عن احتضانه.
أكتب فأول من يحتاج إلى كتاباته هو أنت.












