أبي إرهابي!.. قصة حقيقية

أتصل مدير المدرسة بولي أمر أحد الطلبة في آخر يوم بموسم الاختبارات، وطلب لقائه، وبعد تحديد المكان، تم الحضور والترحيب والمصافحة، فسأل المدير: أولاً أعتذر على إزعاجك أخي، أعتقد أنك دكتور، هل هذا صحيح، فأجاب الأب بنعم، فأكمل المدير، أني طلبتك لأمر أحببت أن أعرفه حباً لك ولأبنك، فهل تخبرني لماذا يتهمك بالإرهابي!، فلقد فضحك بغرفة المدرسين، إذ وجدته يهذي مكرراً « أبي إرهابي »، وكأنه يريد منا أن نقاضيك، فأبتسم الأب ابتسامة صفراء، وقال: إنها حادثة لا تستحق الذكر، لكن سأخبرك بها كونك مدير المدرسة وعلمت بالأمر، ففي الأسبوع الماضي، وبعد عودتنا من السوق أنا والعائلة، قررنا شراء عشاء من المطعم كون الأم مشغولة بالمذاكرة مع أبنائها، فقطعنا مشوار طويل وسط زحمة المدينة إلي منطقة أخرى، وأثناء دخولنا الحي السكني خلف المطعم، تفاجأنا بصوت اصطدام أسفل السيارة من الخلف « طراخ!! »، وكأننا دهسنا كرتون أو كيس قمامة، لكن حدث هذا دون شعور مني، فتوقفت ونظرت من خلال المرآة، وإذا خلفنا قطة كبيرة تتـقلب يمنة ويسرى على الأرض، فعرفنا إننا اصطدمنا بها، ففتحت زوجتي النافذة وكذلك فعل أبنائي، ونظروا جميعهم إلي القطة وهي تتدحرج وتصرخ من شدة الألم.

صرخت الأم، وصرخ الأولاد، وشحبت وجوههم، وتباكوا حتى بكوا، فقلت « لا تخافوا عليها، فالقطط ذات سبع أرواح »، فقالت ابنتي الكبرى: لكن أبي، لقد كانت أماً وهي حامل، والله شاهدت بطنها الكبير!، فلم أرد عليها، ورجعنا البيت، وطيلة الطريق وأنا أسمع همس بالخلف « أبي مجرم، أبي في النار، أبي قاتل » وبعد دقائق من دخولنا البيت، وضعت الأم سفرة العشاء، لكن لم يمد أحدهم يده، ولا بلقمة واحدة، وبدأت أنا بالأكل، فقلت لهم: هيا! ماذا حدث لكم؟ لماذا لا تأكلوا؟، فلم ينبسوا ببنت شفه، وفجأة صرخت أبنتي " أنت شرير! أنت أرهابي! وهي تبكي، فرمت بجوالها وهرولت نحو غرفتها، ثم تبعها أخيها بالصراخ وهكذا فعل الباقي، وزوجتي تنظر إليّ بغضب.

خرجت بالسيارة بلباسي الداخلي كي أطمئن على القطة الحامل، وأتصلت بزوجتي أني سأصورها بالجوال كبرهان إنها بخير، حتى وصلت موقع الحادث، ونزلت من سيارتي، فوجدت القطة بجانب الطريق وهي تنازع الموت! وبطنها مفتوح وكرشها يتدلى، والدماء تسيل منها، فلم أعرف كيف أتصرف، فسقطت والله دموعي وأنا أنظر إلي عيونها، وقلت: مالعمل يارب!، فرجعت إلي البيت، وأخبرت زوجتي أن القطة تنازع الموت وبطنها مفتوح، وليس بيدي حيلة، فقالت: لماذا لم تأخذها إلي المستشفى، يقال إن بالمنطقة مستشفى للحيوانات، فأخبرتها بما رأيت وإنها بحالة مستحيلة، وإذا بأبنائنا يدخلون علينا، فلقد كانوا يتنصتون خلف الباب، فصرخوا: حرام عليك! حرام!، فغضبت وصفعت أبنتي بقوة!، وقلت لها: يا غبية، أنا لست إرهابي، هذه ليست سوى قطة، ولم أكن أقصد قتلها!.

مضت أكثر من ساعة، ومازلت جالساً بغرفتي لوحدي، ونفسيّـتي تعبة حتى أني لم أفتح الواتساب كعادتي، وأنا أحاول النوم، فلم أستطيع حتى الدخول فيه، أما بخصوص زوجتي، فقد بقيت بالصالة لوحدها تشاهد التلفاز، وكأن حاجزاً قد وقع بيننا، وفي اليوم التالي، ذهبوا إلي المدرسة، وعند عودتهم، أحسست ان الحزن قد وقع علينا، وكأن عزاء قد حل بالبيت! فأبنائي لا يتحدثون معي، لقد والله أهتز كياننا، واضطربت نفوسنا، فذهبت إلي غرفت أبنتي الكبرى، وقبلت رأسها، وقلت لها: حبيبتي: سامحيني، والله لم أكن أقصد ضربك، لكن اتهامك لي بالإرهاب هو الذي أغضبني، فأنا دكتور وأعالج الناس، فكيف تنعتيني بذلك، فاحتضنتها وبكت، فتناولنا الغداء بهدوء حذر، وقبيل المساء، أتصلت بخالهم كي يصلح الوضع، فاستوقف المدير كلامي وقال « كل هذا حدث بسبب القطة؟، فقلت نعم سيدي، صدقني أني وقبل النوم سألت نفسي، » كيف حصل هذا بسرعة؟ وهل موت القطة يستحق كل هذا الحزن والخصام؟، والله لم أقتلها متعمداً أو متسلياً، فقد كان خطأ، فما بال من يقتل إنساناً بدم بارد!، فالأخبار مليئة بالقتل والدمار، وإقصاء الإنسان من الأرض أصبح عادة، المهم حضر خال اولادي، وأقنعهم أني لست ملام، وأني سأدفع مبلغاً للفقراء كدية دم القطة، وكما ترى يا حضرة المدير، لقد مر أكثر من أسبوع على الحادثة، ومازال بعضهم يحمل بعض الشيء في نفسه تجاهي، وخاصة أبني الصغير، لذا فضحني أمامكم كما قلت « أني إرهابي » ويعلم الله أني إنسان حقيقي، فأبتسم المدير وغادر.

روائي وباحث اجتماعي