فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ … فضفضة ثقافية

أن تسير على نهج البيت يعني أن تكون صورةً منهم بقدرك، والطريق لذلك قطعًا هو العلم الذي يهندس الداخل فكرًا وعقيدةً، وبالتالي يجسّد على صفحة الجسم تقًى، ولربما ورعًا بقدر التزام «المتعلم على سبيل النجاة» وأسسها معرفة نقاط الضعف والقوة بمجهر الأخلاق المحمدية. والترقي في سلم العروج يبتدئ بالفرد ويتوسع إلى ما حوله، حتى يصبح المكان يتخذ شرف العنوان من أهله، كما في الآية الشريفة: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ»، فهل البيوت ليست إلا من طين وحجر - وأشباهها - وما هي إلا من الجمادات، ولكن ما ميّزها من سكنوها وأحيوها بذكره تبارك وتعالى إلى أن أذن برفعها تعظيمًا «1»

المصداق الأكمل

بيوت أهل البيت هي المعنى الأكمل لتلك البيوت المذكورة في الآية، فهم أوصياء محمد الذي هو سيد أولي العزم، وبالتالي خلفاؤه في درجته، فهم يمثلونه في أمته، من أمير المؤمنين وسبطي النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى سيد الزمان عجل الله فرجه «2».

كيف لا وهذه البيوت «هي المراكز التي حصّنت بأمر من اللّه، وأنّها مركز لذكر اللّه ولبَيان حقيقة الإسلام وتعاليم اللّه، ويضم هذا المعنى الواسع المساجد وبيوت الأنبياء والأولياء، خاصّة بيت النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبيت عليّ عليه السّلام. ولا دليل يؤيّد حصرها من قبل بعض المفسّرين - بالمساجد أو بيوت الأنبياء وأمثالها -» «تفسير الأمثل».

بيوت العلماء مصداق أخر

لا يرقى إلى مقام الأنبياء والأئمة أحدٌ، فمقام الاصطفاء الإلهي خصّهم لعصمتهم وفضلهم على خلقه إنسًا وجنًّا وملائكةً، ولكن هناك بيوتًا استطاعت أن تكون مهبطًا لأنفاس النبوة والإمامة بنور علومهم التي تجسدت نورًا فكريًا وإيمانًا انعقد بالقلوب التي ترتع في رياض تزكية النفس والتواضع والكرم للضيوف، ومن البديهي أن ذلك جُسّد سلوكًا يخطو على وقع الفقه المحمدي. ليس كل خطواتنا يجب أن تنتج مردودًا تبعًا لعصرنا المتخم بالمادية، فاستنشاق الهواء العليل من خلال زيارة تلك البيوت المباركة يعالج جفاف الروح وينير الفكر، فلقد نُقل أن أحد العلماء الأبرار ممن وهبهم الله من لطفه الروحي عالج حالة لدى أحدهم بتوصيته على الجلوس معه في مجالس العلم فقط «3».

تلك جنات ورياض تشع لأهل السماء كما تشع النجوم لأهل الأرض، يقوم رجالها بتقديم لمرتاديهم وحُق أن يقدم المرتاد جواهره ليحظى بالجلوس معهم لكنه الخلق المحمدي يتجسد ”يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «12» أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ «13»“ «المجادلة»

ومضة واحيانية

- قال تبارك وتعالى ”وَ بَيْنَهُما حِجابٌ وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ“ «الأعراف - 46»

- روي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب «عليهما السلام»:

”الْحُكَمَاءُ أَشْرَفُ النَّاسِ أَنْفُساً وَأَكْثَرُهُمْ صَبْراً وَأَسْرَعُهُمْ عَفْواً وَأَوْسَعُهُمْ أَخْلَاقاً“

”الْفِكْرُ يُنِيرُ اللُّبَّ“

”قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يَعْلَمُ“

”الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ“ «غرر الحكم ودرر الكلم»

«الإذن‌ في الشي‌ء هو إعلام ارتفاع المانع عن فعله، والمراد بالرفع رفع القدر والمنزلة، وهو التعظيم، وإذ كانت العظمة والعلو لله تعالى لا يشاركه في ذلك غيره إلا أن ينتسب إليه، وبمقدار ما ينتسب إليه فالإذن منه تعالى في أن ترفع هذه البيوت إنما هو لانتساب ما منها إليه. وبذلك يظهر أن السبب لرفعها هو ما عطف عليه من ذكر اسمه فيها» «الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه»
⁠«عن الإمام الباقر عليه السّلام‌: «هي بيوت الأنبياء وبيت عليّ منها»، وفي حديث آخر حيث سُئل النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا قرأ الآية، أي بيوت هذه؟ فقال:
«بيوت الأنبياء»، فقام أبو بكر فقال: يا رسول اللّه، هذا البيت منها، يعني بيت عليّ وفاطمة. قال: «نعم، من أفاضلها» [تفسير مجمع البيان للآية موضع البحث.] 4. وكل ذلك إشارة إلى مصاديق واضحة تذكرها الأحاديث كعادتها حين تفسير القرآن» «تفسير الأمثل».
لعله الشيخ الملكي التبريزي قدس سره.