إذنُ الدخول
وقف عند باب الحرم الحسيني…
عند باب الرجاء، بعدما شقَّ طريقه بصعوبة بين أمواج الزائرين، وتجاوز الزحام الشديد حتى بلغ العتبة المقدسة.
توقّف هناك، وأسند قلبه المتعب إلى كلمات الاستئذان، ثم قال بصوت خافت:
— أأدخلُ يا مولايَ، يا ابنَ رسولِ الله؟
انتظر لحظات…
لكن شيئًا لم يتغيّر في داخله.
لم ترتجف جوارحه، ولم تجرِ دمعة من عينيه، ولم يشعر بذلك الانكسار الذي كان يسمع عنه من الزائرين. بقي قلبه ساكنًا، جامدًا، كأن بينه وبين الحرم حجابًا لا يراه.
طأطأ رأسه وخاطب نفسه بحسرة:
— ويلي… لماذا أنا هكذا؟
ألا ترى الزائرين يدخلون؟
يدخل هذا باكيًا، وذاك مشتاقًا، وثالثٌ يرفع يديه بالدعاء… فلماذا أقف أنا هنا عاجزًا عن الدخول؟
ثم هزَّ رأسه بألم وقال:
— لأن سيدي الحسين لم يأذن لي بعد!
ارتجف لهذا الخاطر، وسأل نفسه:
— ولماذا لا يأذن لي؟
فانفتحت أمام عينيه صفحات عمره، وازدحمت في ذاكرته الذنوب، والهفوات، والوعود التي أخلفها، والتوبات التي نقضها.
تنهد بحرقة وقال:
— آهٍ من ذنوبي…
أنا صاحب المعاصي والخطايا، فكيف أدخل إلى حرم الطهارة وأنا أحمل فوق ظهري كل هذا الثقل؟
ثم عاد يحدث نفسه، كأنه يبحث عن بصيص أمل:
— لكنني جئت تائبًا…
لقد عزمت على أن أترك ما مضى، وقلت من أعماقي: أنا تائب.
قطعت الطريق مع الزائرين، وتحملت مشقة السفر؛ لأقف بين يدي الحسين وأعلن توبتي.
سكت قليلًا، ثم قال بحزن:
— نعم… لقد حضرت إلى كربلاء، لكنني لم أصل بعد إلى الحسين.
ربما بلغ جسدي باب الحرم، أما قلبي فما زال بعيدًا.
رفع رأسه من جديد، وكرر برجاء:
— أأدخلُ يا مولايَ، يا ابنَ رسولِ الله؟
انتظر…
لكن قلبه بقي كما هو، لا دمعة، ولا خشوع، ولا انكسار.
أحاط به الاضطراب، وقال في نفسه:
— ماذا أفعل؟
هل أعود إلى الفندق؟
هل أرجع من حيث أتيت من دون زيارة؟
لقد جئت صادقًا… جئت نادمًا… فلماذا لا أشعر بأن الباب قد فُتح لي؟
أغمض عينيه، وردد للمرة الثالثة:
— أأدخلُ يا مولايَ، يا ابنَ رسولِ الله؟
ومرّت لحظات ثقيلة…
لكن شيئًا لم يتغير.
تراجع خطوة، ثم خطوتين، وأدار وجهه عن باب الحرم. مضى ببطء، منكسرًا، وكأن كل خطوة تُبعده عن آخر ما بقي له من أمل.
وبعد خطوات قليلة، التفت إلى القبة من خلفه، وقال بصوتٍ مخنوق:
— يا سيدي… أنا تائب.
أنا نادم.
ما جئتُ سائحًا، ولا جئتُ عادةً مع الزائرين… جئت لأخلع عند بابك ذنوبي، ولأبدأ من هنا حياةً جديدة.
ثم رفع يديه، وصرخ من أعماق روحه:
— أأدخلُ يا مولايَ، يا ابنَ رسولِ الله؟
عندها…
انكسر الحاجز.
اهتزّ قلبه فجأة، وانفجرت عيناه بالبكاء. سالت دموعه غزيرةً، كأنها كانت محبوسةً منذ سنوات، وخرج من صدره نداءٌ لم يكن صوتًا فحسب، بل كان اعترافًا، وتوبةً، واستغاثة:
— يا حسين!
بكى كما لم يبكِ من قبل، وردد بين شهقاته:
— يا حسين… أنا التائب!
يا حسين… أنا النادم!
يا حسين… لا تردّني عن بابك!
ثم اندفع نحو الحرم، يشقّ صفوف الزائرين، لا يشعر بمن حوله، وكأن قوةً خفيةً تجذبه إلى الداخل، وكأن يد الرحمة قد امتدت إليه بعد طول انتظار.
لم تمضِ إلا لحظات، حتى وجد نفسه في وسط الحرم الحسيني المقدس.
وقف هناك، غارقًا في دموعه، ثم صاح من أعماق قلبه:
— يا حسين… لقد جئتُك تائبًا، فلا تحرمني من رحمة الله عندك.
وفي تلك اللحظة أدرك أن إذن الدخول لم يكن كلمةً تُقال باللسان، بل قلبًا ينكسر، وروحًا تخلع كبرياءها، وتدخل إلى الحسين محمّلةً بالندم والرجاء.
لقد دخل جسده الحرم بعد أن دخلت التوبة قلبه.













