إدارة المشتتات ليست رفاهية: الواتساب نموذجاً

لم يعد تطبيق التواصل الرقمي ”الواتساب“ مجرد أداة وقتية نلجأ إليها في أوقات الفراغ أو الترفيه، بل أصبح جزءاً من البنية اليومية للحياة، فهو حاضراً في مكاتب العمل، وقاعات الدراسة، وفي مجالس العائلة، بل وحتى في اللحظات التي تسبق النوم، أو التي تلي الاستيقاظ، حتى بات أشبه بجسرٍ خفي يربط بين البشر مهما تباعدت أماكنهم أو تنوعت مسؤولياتهم.

غير أنّ لهذا الحضور الكثيف وجهاً آخر لا يقل أثراً عن نفعه الظاهر، وجهاً يتخفّى خلف الشعارات المتلاحقة والرسائل التي لا تنتهي ليصنع ما يُعرف اليوم ب ”ظاهرة التشتت الذهني“ أو فقدان القدرة على الانتباه والتركيز، وهنا يبرز التساؤل الملح

ما الذي نعنيه بهذه الظاهرة؟ ولماذا أصبحنا أكثر تشتتاً وانشغالاً ذهنياً من أي وقت مضى؟ وكيف يمكننا أن نضع حدوداً لاستخدامها، بحيث تبقى أداة نافعة في التعليم، والعمل، والتواصل الاجتماعي، لا سبباً مستمراً في هدر الوقت والجهد والطاقة؟.

التعريف والأبعاد

تُعرّف دراسات الصحة النفسية الحديثة ”ظاهرة التشتت الذهني“ بأنها حالة معرفية تتمثّل في: ضعف القدرة على توجيه الانتباه والمحافظة عليه، بصورة مستمر ومنظّمه نحو هدف أو مهمة محددة، نتيجة تدخّل مثيرات داخلية كالأفكار والانفعالات والقلق والشرود الذهني، أو مثيرات خارجية كالمثيرات البيئية والرقمية، مما يؤدي إلى انخفاض كفاءة الوظائف التنفيذية، والذاكرة، وتراجع جودة الأداء المعرفي والسلوكي.

لكن البعض من الناس يرى في هذا التشتت أمراً عادياً أو حتى دليلاً على النشاط والانخراط في الحياة الاجتماعية والعملية، دون أن يُدرك أن هذا الانشغال المستمر قد يكون على حساب العمق الذهني وجودة الإنجاز وصفاء العلاقات الإنسانية.

وتتجلّى هذه الظاهرة بوضوح في مواقف الحياة اليومية فنرى شخصاً يجلس مع أسرته أو أصدقائه، لكن انتباهه موزّع بين الحديث الدائر أمامه وشاشة هاتفه.

وفي بيئة العمل، نلاحظ الموظف الذي يحاول مراجعة ملف أو أنجاز معاملة، بينما يتلقى في الوقت ذاته رسالة أو يُشارك في محادثة جانبية عبر أحد التطبيقات الرقمية.

أما في البيئة الدراسية فيجلس الطالب أمام كتابه أو محاضرته الإلكترونية أو شاشة حاسوبه، ولكن سرعان ما تمتد يده إلى الهاتف عند أول إشعار يصل إليه، فينقطع تسلسل أفكاره ويتبدد تركيزه.

مشهد من الواقع

في إحدى قاعات الدراسة، جلس أحد الطلاب أمام حاسوبه المحمول محاولاً إنهاء تقريره قبل موعد التسليم بساعات قليلة، كانت الأفكار قد بدأت تتشكل في ذهنه، فكتب سطراً تمهيدياً على الشاشة، وبينما كان هاتفه إلى جواره على الطاولة صامتاً في الظاهر حاضراً في ذهنه.

رنّ الإشعار: رسالة من مجموعة الأصدقاء، تجاهلها للحظة، ثم قال في نفسه ”سأرد سريعاً وأعود للعمل“ لم تمر سوى دقائق حتى تبعتها رسالة أخرى، ثم صورة، ثم تعليق، ثم إشعار من العائلة، وحين رفع رأسه نحو الشاشة، اكتشف أن أكثر من ساعة قد انقضت ولم يكتب سوى السطر الأول وانتهى الوقت المخصص له فشعر بإرهاق غريب ولم ينجز ما كان ينوي إنجازه، فخسر الأمرين معاً العمل والوقت.

الأسباب العلمية للتشتت

لم يأتِ ازدياد التشتت الذهني في عصرنا الحديث من فراغ، بل هو نتاج تداخل معقّد بين التطور التكنولوجي المتسارع، وطبيعة العقل البشري، الذي لم يُهيأ في الأساس للتعامل مع هذا الكم الهائل من المثيرات المتزامنة فالعالم الرقمي اليوم لم يكتفي بتقديم المعلومات عند طلبها، بل أصبح يُلاحقنا بالإشعارات والتنبيهات والرسائل التجارية والترويجية والدعائية وغيرها، في كل مكان وفي كل وقت، محوّلاً الانتباه من مورد ذهني إلى ساحة تنافس دائم بين عشرات المثيرات المتداخلة.

ولهذا تُشير الدراسات الحديثة في علم النفس المعرفي إلى أن الدماغ البشري يفقد جزءاً من قدرته على التركيز العميق، كلما زاد اعتماده على الانتقال السريع بين المهام، وهو ما يُعرف اليوم بظاهرة ”تعدد المهام الوهمي“ حيث يبدو الفرد مشغولاً طوال الوقت، لكنه يفتقد الأداء العميق والمتقن الذي ينتج عادة عن توجيه الانتباه إلى مهمة واحدة في كل مره، ولعل من أبرز أسباب هذا التشتت الذهني ما يلي: 

1 - الإفراط في التعرض للمثيرات الرقمية والإشعارات المستمرة

وقد اشارت دراسة نشرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس APA إلى أن المقاطعات المتكررة تُقلل من القدرة على العودة إلى التركيز الأصلي، وقد يستغرق الدماغ ما بين 20 إلى 25 دقيقة لاستعادة مستوى التركيز العميق بعد كل انقطاع.

2 - الضغوط النفسية وتسارع وتيرة الحياة

ولذا تؤكد دراسات الصحة النفسية الحديثة أن القلق والتوتر المزمن من أبرز العوامل الداخلية التي تُضعف القدرة على التركيز، ففي ظل ضغوط العمل والدراسة والمسؤوليات الأسرية والاقتصادية، يصبح العقل منشغلاً بالتفكير في المستقبل والمخاوف المحتملة أكثر من تركيزه على المهمة الحالية، وهو ما أوضحته الابحاث المنشورة في مجلات علم النفس الإكلينيكي حيث بينت أن ارتفاع مستويات القلق يؤدي إلى استنزاف ”الذاكرة العاملة“ أي الذاكرة المسؤولة عن معالجة المعلومات الآنية واتخاذ القرارات.

3 - ثقافة السرعة وتعدد المهام

لقد روّجت ثقافة العصر الحديث لفكرة: أن الإنسان الناجح في الحياة هو الشخص القادر على إنجاز عدة مهام في الوقت نفسه، إلا أن دراسات علم الأعصاب أثبتت أن الدماغ لا يعمل على مهام متعددة بشكل متوازٍ، بل ينتقل بينهما بسرعة مما يؤدي إلى فقدان جزء من التركيز في كل انتقال، كما وتُشير أبحاث جامعة ستانفورد إلى أن الأشخاص الذين يكثرون من ”تعدد المهام“ يكونون أقل كفاءة في تنظيم الانتباه وتصفية المعلومات غير المهمة مقارنة بغيرهم.

متى يتحول التشتت إلى مشكلة؟

وعند التأمل في التفاصيل اليومية لحياتنا المعاصرة يبرز سؤال بسيط لكنه عميق في نفس الوقت: وهو

هل ما نعيشه اليوم حالة طبيعية فرضها إيقاع العصر؟ أم أننا أمام نمط أقرب إلى حالة مرضية تستنزف أذهاننا وعلاقاتنا دون أن نشعر؟

وهنا يمكن القول إن التشتت يكون طبيعياً حين يظهر بصورة عارضة ومحدودة الأثر، فلا يمنع الإنسان من إتمام مهامه الأساسية، ولا يضعف قدرته على الاستمتاع بعلاقاته أو ممارسة أنشطته اليومية بصورة متوازنة

غير أن التشتت يتحول إلى حالة غير صحية حين يُصبح هو النمط الغالب في اليوم كله، وحين تتكرر المقاطعات إلى درجةٍ تُفقد الفرد قدرته على الاستقرار مع مهمة واحده، أو حديث واحد لفترة متصلة. وبهذا المعنى، لا يكون التشتت مرضا ً بالضرورة، لكنه قد يتحول إلى نمط مُنهِك إذا تُرك دون ضبط أو حدود واضحة.

حين يصبح التركيز قراراً واعياً

وإدارة المشتتات هنا لا تُعد ترفاً أو إجراءً تنظيمياً بسيطاً، بل شكلاً من أشكال العناية بالصحة الذهنية وجودة الحياة اليومية، وذلك لأنها تمس المورد الأثمن في حياة الإنسان المعاصر وهي قدرته على الانتباه، وحضوره الحقيقي في ما يعمل، وما يتعلم، ومع من يعيش.

وفي نهاية المطاف يمكننا أن نقول إن التشتت الذي نصنعه عبر الواتساب أو باقي الأدوات لا يظهر فجأة في حياتنا اليومية، بل يتراكم بصمت عبر رسالة أثناء العمل أو إشعار أثناء المذاكرة أو رد سريع أثناء حديث عائلي... ثم نكتشف في آخر اليوم أن المهام تأخرت، والأحاديث قُطعت، والتركيز لم يكتمل.

ومع ذلك، تبقى السيطرة ممكنة، عندما نقرر أن تكون لنا السيادة على أدواتنا لا العكس، وأن ننتقل من موقع الاستهلاك السلبي للمحتوى الرقمي إلى موقع الاستخدام الواعي والفاعل للتكنولوجيا، بحيث تصبح وسيلة في خدمتنا لا قوة مهيمنة على سلوكنا وانتباهنا.