كيف تصنع كلمة واحدة إنسانًا جديدًا؟
عندما نقرأ مواقف وسير أئمة الهدى
، فإننا لا نقرأ حكاياتٍ للتسلية، ولا نطالع قصصًا عابرة خالية من المعاني، بل ننهل من سيرةٍ عطرة، تنبض بالحكمة، وتفيض بالدروس والعبر.
إنها ليست قصصًا تُروى، بل رسائل تُوقظ القلوب، ونورٌ يُضيء العقول، وحياةٌ تُبعث في الأرواح.
قصصهم ليست للتاريخ فقط، بل للحاضر والمستقبل.
هي دعوة صريحة للتغيير، ونداء مفتوح للعودة، وهمسة رحيمة تقول لكل متعب: ما زال الطريق مفتوحًا.
وفي كل موقف من مواقفهم تتجلى حكمة، وتولد عبرة، وتُزرع بذرة أمل.
وهكذا كانت سيرة الإمام موسى بن جعفر الكاظم
، سيرةً زاخرة بالمواقف التي تستحق أن نتأملها طويلًا، ونقطف منها أجمل الدروس.
ومن بين تلك المواقف الخالدة، التي لا تغيب عن الذاكرة، قصة الإمام الكاظم
مع بشر الحافي…
*موقف هزّ الغفلة وأيقظ القلب*
رُوي أن جاريةً خرجت من دارِ بشر الحافي لترمي الأوساخ، وكان ذلك البيت معروفًا باللهو والفسق، تعلو منه الأصوات، وتضج أركانه بالغفلة.
وفي تلك اللحظة، مرّ الإمام موسى بن جعفر
، فتوقف عندها، ونظر إليها بنظرةٍ حملت الرحمة والوعي، وسألها بهدوء:
— أخبريني، سيدكِ حرٌّ أم عبد؟
فقالت دون تردد: — بل حرّ.
فقال الإمام
بكلمةٍ قصيرة، لكنها كانت كالسهم في القلب:
— صدقتِ… لو كان عبدًا لله، لاستحيا من الله.
عادت الجارية، وقد بقيت تلك العبارة تتردد في أعماقها. فلما رآها بشر قال متعجبًا: — ما الذي أخّركِ؟
فروت له ما جرى، ووصفته قائلة: — أوقفني رجل، عليه سيماء الصالحين، وبهاء الملوك، وسألني كذا وكذا، ثم قال كذا وكذا…
*لحظة التحوّل: من الغفلة إلى النور*
ما إن سمع بشر تلك الكلمات، حتى اهتز قلبه، وكأن غشاوة سقطت عن بصيرته. لم يجادل، ولم يبرر، ولم يؤجل…
بل خرج من داره مسرعًا، حافي القدمين، يركض خلف الإمام الكاظم
، حتى لحق به، وسلّم عليه وهو يقول بصوتٍ متهدّج:
— سيدي… أنا بشر، الذي طالما عصيتُ الله، أنا تائب… فدلّني.
فأرشده الإمام
، ونصحه كلماتٍ خرجت من قلبٍ طاهر، فاستقرت في قلبٍ أنهكته المعصية.
عاد بشر… لكنه لم يعد كما كان.
عاد بروحٍ جديدة، وقلبٍ نادم، وعزمٍ صادق.
صرف أهل الفسق، وأغلق أبواب الغفلة، وفتح صفحة جديدة مع الله، عنوانها: الصلاح والإحسان.
*الدروس المستفادة من هذه القصة*
الدرس الأول: التغيير يبدأ بكلمة
لم يحتج الإمام
إلى خطبة طويلة، ولا إلى مواجهة مباشرة، بل قال جملة واحدة:
”لو كان عبدًا لله لاستحيا من الله.“
كلمة واحدة… لكنها صنعت حركة تغيير جذري داخل قلب بشر.
فكم من كلمة صادقة تغيّر مصير إنسان؟
وكم من عبارة خرجت من قلبٍ حيّ، فأيقظت قلوبًا نائمة؟
أحيانًا لا نحتاج إلى آلاف النصائح، بل إلى كلمة صادقة تُقال في الوقت المناسب.
الدرس الثاني: التفكّر… عودة إلى جادة الحق
«بشر» لم يتجاهل الكلمة، ولم يستخف بها، بل تفكّر.
والتفكّر هو أول خطوة في طريق الهداية.
من لا يتفكّر، يبقى أسير عاداته،
ومن يتفكّر، يبدأ رحلة العودة.
التفكّر يجعل الإنسان يسأل نفسه:
من أنا؟
إلى أين أمضي؟
هل هذا الطريق يرضي الله؟
وهنا تبدأ العودة… لا بخطوة الجسد، بل بخطوة القلب.
الدرس الثالث: التوبة بداية لا نهاية
التوبة ليست كلمة تُقال، بل قرار يُتّخذ.
وليس ندمًا مؤقتًا، بل تحوّلًا دائمًا.
«بشر» لم يقل: تبتُ فقط،
بل:
غيّر بيته
غيّر بيئته
غيّر رفاقه
غيّر اتجاهه
وهكذا هي التوبة الصادقة:
تغلق أبواب الماضي، وتفتح نوافذ النور، وتبدأ مع الله بداية جديدة.








