الدرس الأجمل من الحفيد الأول
كثيرة ومثيرة هي الدروس والعبر التي نتعلمها من البشر والحيونات والنباتات والطيور والحشرات، بل وحتى من الجمادات. كل حدث أو قصة أو موقف أو صدى، عادة يكتنز بين طياته درساً ما أو عبرة ما، بعضها واضحة جلية لا تحتاج لجهد لمعرفتها والاستفادة من مغزاها، بينما بعضها الآخر يحتاج للكثير من الأدوات والقدرات للوصول إلى إسقاطاتها وتموجاتها.
بالنسبة لي، أجد متعة كبيرة حينما أغوص في ثنايا وزوايا النفس البشرية بكل ما تحمله من معانٍ ودروس، وهي بالمناسبة ليست حكراً على فئة معينة أو مستوى ما من البشر، فقد تأتي الحكمة من امرأة مسنة لا تُجيد القراءة أو الكتابة ولكنها تُغزل الحكايات الملفوفة بالدروس والعبر، أو تصدمك عفوية شخص بسيط في مظهره ومخبره ولكنه عميق ودقيق في وصفه ودرسه للكثير من تفاصيل الحياة، ولكن الأكثر دهشة وصدمة من بين كل البشر هم الأطفال الصغار الذين يضخون في حياتنا الكثير من المتعة والبهجة، وطبعاً الصخب والفوضى، تماماً كما يُعطوننا أيضاً الكثير من الدروس والعبر.
مر عام على تجربة مثيرة في حياتي، لم أشهد مثلها - أو أهم منها - من قبل، بل كما يبدو أجدها الأهم والأكثر دهشة، وهي العلاقة الوطيدة حدّ الافتتان بحفيدي الأول ”عبدالعزيز“ الذي أكمل عامه الأول، منذ أيامه الأولى وحتى يومنا هذا، لا يكاد يُفارقني، بل أنا الذي لا أكاد أفارقه، وخلال هذا العام الذي أصنّفه الأكثر دهشة وبهجة من بين كل أعوامي الماضية، كنت أراقب هذا المخلوق الصغير الذي يكبر في كل لحظة تقريباً، يبدأ في تعلم عادة أو حركة ولكن سرعان ما ينتقل لغيرها، فحياة هذا الطفل الصغير أشبه بخزانة مزدحمة بالتجارب الجيدة والسيئة والمحاولات الناجحة والفاشلة والرغبات الكبيرة والصغيرة والتطرف في الضحك والبكاء والكثير الكثير من المشاعر والصعوبات والتحديات.
أمامي قائمة طويلة من الدروس والعبر التي تعلمتها من هذا الطفل وهو في عامه الأول، ولكنني اخترت درساً واحداً منها، هو الأكثر قيمة وإلهاماً وهو: القدرة على ممارسة الصراحة والوضوح والشفافية في كل حياته البريئة الطاهرة. عبدالعزيز وكل أطفال العالم وهم في عامهم الأول لا يُمارسون الكذب ولا يأكلون أو يشربون إلا حينما يحتاجون لذلك ويبكون من الألم ويضحكون من أعماقهم ولا يُخفون مشاعرهم ويُحبون من أول نظرة ولا يتظاهرون بالطيبة ولا يعيشون الزيف ولا يتسولون العطايا ولا يحلمون بالمستحيل ولا يهمهم رأي الآخر ولا يؤمنون بالظنون ولا يُخفون ما يُبطنون ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.









