أُكذوبة الواجب
عندما تنصهر وتذوب في الواجبات وتكون على القدر الذي يراك فيه الآخرون سبيل عطاء لا ينضب، تتحول إلى أرقام في جدولة المواعيد.
فالواجبات مطلب تستقيم به الحياة، إذ إن الحقوق والواجبات ركنان أساسيان لحياة أكثر استقرارًا، هذا كونه في المشهد الطبيعي، لكن إذا طغت الواجبات على الحقوق، هنا يبدأ الخلل، ويدخل الإنسان في دوامة الواجبات.
إنها المأساة الناعمة التي تسرق منا أيامنا، فنموت أقساطًا لحياة نؤجل أن نعيشها بكل تفاصيلها، نقدس الواجبات التي فرضناها على أنفسنا خوفًا من أن نكون أقل مما يُنتظر منا.
فالكذبة الأنيقة هي التي ندعيها باسم الواجب، وإتقاننا لعب أدوارها أنسانا وجوهنا الحقيقية أمام تلك الأقنعة التي نرتديها كل يوم؛ نُجامل هذا ونبتسم لذاك ونرضي فلانًا، ونأخذ بخاطر آخر، فقائمة الالتزامات ما زالت طويلة وكافية لتغطية الفراغ الروحي، نتحرك بالقصور الذاتي وكأننا نمتلك أبدية نؤجل إليها كل مساراتنا الحقيقية.
هكذا نكون قد سجنا أنفسنا في فكرة الواجبات.
فالواجب ذكي يستدرج العقل ويقنعه بأن التضحية هي البهجة للروح ولنيل احترام هذا العالم، والعالم حوت لا يمتلئ، بل يبتلع سنواتنا ويطالبنا بالمزيد.
أسوأ ما في طغيان الواجبات ليس التعب الجسدي، بل التخدير الروحي المؤقت الذي نشعر به للذة أداء تلك الواجبات.
في خضم هذا التنظيم الصارم، تتحول تلك المساعي إلى طقوس باردة، تُحمّل أرواحنا بأثقال لم تُخلق لها، كأننا نعيش بالنيابة عن جهة مجهولة تحاسبنا على كل صغيرة وكبيرة، بل على كل دقيقة فرح لم نؤدِ فيها خدمة ما.
فنكتشف متأخرين جدًا بأننا على حافة التعب، وأننا قدمنا الجميع على أنفسنا، وأن الأيام التي كان يجب أن تكون عمرنا ولنا وحدنا لم تكن سوى محطات انتظار طويلة لشيء لن يأتي، لأن الحياة الحقيقية كانت تؤجل دائمًا لمصلحة واجب جديد.













